نصاب البورصة

 ‎نصاب البورصة 


‎بقلم / أيوب الصبحي 



‎في مساءِ إحدى اللَّيالي وكعادتي أرتشفُ قهوتي في جوٍ هادئ ،  فجاءةً وبلا مُقدمات سمعتُ أصواتَ قرعٍ عاليةٍ على بابِ منزلي و إتصال على هاتفي الجوال في نفس الوقت ، رددتُ حينها ( ربنا يستر ، اللهم اجعلهُ خيراً ) ، فتحتُ باب المنزل و إذْ بأحد أصدقائي يصرخ : " منظمة أوبك ستبيع أسهمها بسعرٍ منخفض بعد نصف ساعة " ، طلب منِّي سريعاً تحويل مبلغ خمسة آلاف ريال لحسابه كي نشتري الأسهم مُناصفة ، حاولتُ تهدئتهُ بلا جدوى محاولاً فهم ما يقول ، لكن لا حياةً لمن تُنادي يُردد نفس الكلمات قائلا : فرصة العمر لا تضيع من بين أيدينا بهذه السهولة ، حاولتُ أن أشرحَ لهُ مِراراً ربما تكون عصابات نصبٍ و إحتيال ، و كان يُردد بقوِّة : كثير استثمروا فيها وخرجوا بعدها بملايين ، و جميع مَنْ تعاون معهم يُثني على تعاملهم و أمانتهم و كيف أنَّ الإستثمار صعب فيها بسبب كثرة الراغبين في التعامل معهم .


‎و خلال حديثي معهُ لتهدئتهُ وردَ إتصال على صديقي من رقمٍ مميَّز ، تحسَّر صديقي واضعاً يده على رأسه قائلاً : الشركة تتصل و لم أحوِّل المبلغ لهم ، سحبتُ الجوال من صديقي و أجبتُ على الإتصال ، و كان المتصل يتحدث وسط ضجيج و أصوات إتصالات كثيرة قائلاً لي : هل حولتَ المبلغ على الفيزا لكي نشتري الصفقة بسرعة ، قلت : مَنْ أنتم ؟ قال : شركة سعودية و ذكرَ اسم شركة تداول ، لم أستطعْ حفظه و رقم ترخيص تسلسلي طويل ، و بدأتُ أسأل بعض الأسئلة و كان يتهرب ويتعذَّر بكثرَةِ الإتصالات و عدم تفرغهم ، فطلبتُ منهُ صورة عقد و حساب بنكي رفض و قال : جميع تعاملاتنا عن طريق الفيزا و الماستر كارد ، أخيراً تهرَّبَ بطريقة سريعة و أغلقَ الهاتف ، و أعتذرَ لإنشغالهِ بعملاء أخرين .


‎القصة بإختصار وقع فيها الكثير من الضحايا ، وتستخدم هذه العصابات الجانب النفسي ، و تتم العملية بشكلٍ سريع ، لكي يقع الضحية في الفخ بدون تفكير ، و لا يشعر بالخداع إلَّا بعد استقطاع المبلغ من بطاقة الفيزا و يكتشف أنَّهُ لا يعرف اسم الشركة و لا اسم صاحب الشركة و لا مقرَّها و لا أي معلومات أو عقد يحميك .


‎تبدأ الحكاية في مواقع التواصل الإجتماعي بخطواتٍ مدروسةٍ بتسلسل ، أولاً إستخدام عناوين جذَّابة كخبر صحفي ، تعرَّف على قصة " أخ يقتل شقيقة " ، " خادمة تشتري منزل كفيلها " ، جريمة تهز مدينة .... " . تفتح الرابط و ينقلك الرابط إلى عنوان URL غير محمي عبارة عن صفحة إعلانية و تبدو كأنها صحيفة رسمية ، يأخذك الفضول لمعرفة لمحة عن القصة تتفاجأ في أحداث بسيطة ثم يذكر لك أحد أطراف القصة ، كيف بدأ استثمار مبلغ بسيط في شركة تداول بدون ذكر اسمها ، و كيف تحولت أرباحهُ و تتزايد بطريقة رهيبة في مدةٍ وجيزة ، و كيف كسبَ الملايين ، نفسياً سوف تنسى الخبر الرئيسي الذي دخلتَ لقراءته ، و تسأل نفسك ما هذه الشركة التي حوَّلتْ حياتَهُ من فقيرٍ إلى مستثمرٍ كبيرٍ في ظرفِ عامين ؟ ، ينتهي الخبر هُنا .


‎بعد نهايةِ القصةِ تنويه بالخط الأحمر العريض وصلتْ للجريدة مئات الرسائل تستفسر عن الشركة التي وردت في الخبر و حرصاً منَّا على إرضاء قُرائنا  توصلنا للشركة التي استثمرت فيها الشخصية ، علماً أنها لا تقبل حالياً الإستثمار للإزدحام الشديد للإستثمار بها ، و بالأسفل تجد خانات لتعبئة بياناتك و أرقامك و بريدك ، لم تنتهي الحكاية هُنا ، تجد في الأسفل مئات التعليقات تُثني على الشركة بدون ذكر اسمها أو معلوماتها و كيف تغيرتْ حياتُهم بعد الإستثمار في هذه الشركة ، و كوَّنوا ثَروَات كبيرة و بعد أن جَمعوا مبالغ كبيرة خرجوا من الشركة و استلموا كامل أموالهم ، أُعدتْ هذه التعليقات لكي تنسف كل مخاوفك بدون أنْ تشعر بأنك مجرَّد ضَحية ، وتجد هذه الحَبكة بالكامل في كل القصص بنفس الأسماء و التعليقات .


‎صديقي بمجرَّد تسجيلهُ لبياناتهِ وقبلَ أن ينتهي وردَهُ الإتصال وقال الموظف : أنَّهُ سعيدُ حظٍّ لأنَّهم لا يقبلون أي إستثمارات إلَّا بعد التسجيل لمدة شهر ، و أخبرهُ فوراً بصفقةٍ كبيرةٍ ممكن أن تُغير حياتَه تغييراً جَذرياً ، وأنَّ هُنالك صفقة سرية لبيع أسهم منظمة أوبك بسعرٍ منخفضٍ جداً ، و سيتم البيع خلال نصف ساعة ويجب أن توفِرَ مبلغ المساهمة على بطاقة الفيزا و خلال أسبوع ستتضاعف أرباحُكَ إلى ثلاث أضعاف ، و إن استمريتَ لمدة عامين هناك إحتمالية ربح أكثر من مليونين ريال و تستطيع سحبَها في أيِ وقتْ ، جنَّ جنون صديقي بدون تفكير و جائني يركض و الملايين يراها أمامه . 


‎عزيزي القارئ ليس كل ما يلمع ذهباً ، و ليس كل ما تقرأهُ أو تسمعهُ صحيحاً ، بل هناك الكثير من أساليب النصب يتم حبكَها و رصدَ فُصُولَها بخبرةٍ كبيرةٍ دون أن تشعر إلَّا بعد وقوع الفأس في الرأس . 


‎خاتمة :

‎" لستُ بالخِبِّ و لا الخِبُّ يخدعُني "

‎عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تنتظر فُرصتك ..